بسم
الله الرحمان الرحيم
دليل العائلة
عند سجن احد أفرادها
بقلم عبدالله الزواري
لئن كان السجن –كما اعتبره البعض- أسوا مؤسسة أوجدها الإنسان منذ القدم،
فانه مع ذلك لاشيء في الأفق يشير إلى زوال هذه المؤسسة من المجتمع الإنساني، سواء
كان صناعيا متقدما أو متخلفا يزداد تخلفا، أو في يسمى- مغالطة- البلدان الناهضةpays immergents، و سواء كان رأسماليا جشـعا أو
اشتراكيا إنسانيا، أو إسـلاميا أو قوميا، و سـواء كان جمهوريا أو ملكيا أو
جملكيا[1] على نمط كثير من أنظمة الاستبداد والتخلف في بلاد العرب...
ولا شك كذلك أن قائمة المخالفات و الجنح و الجنايات التي تؤدي بمقترفها إلى السجن
تزداد طولا يوما بعد يوم، كما تشهد كل دورة تشريعية في المجالس المنتخبة أو
المعينة في المشارق و المغارب إدراج جرائم جديدة في مجلاتها الجنائية مواكبة لتطور
المجتمع و تطور الإجرام من جهة و تطور مصالح أولي النفوذ من جهة أخرى....
و رغم عكوف علماء الإجرام و رجال القانون و المختصين في علوم عديدة ذات علاقة
بالإنسان و المجتمع، على البحث عن عقوبات بديلة عن السجن فان عدد نزلاء السجون ما
انفك يتكاثر و يتعاظم، وهو يمثل بلا أدنى ريب عبئا ثقيلا على دافعي الضرائب و ميزانيات
الدول[2]...و إن أحسنت – بمقدار- بعض المجتمعات التعامل مع هذا المعطى توظيفا
واستفادة و دراسة قبل ذلك، فان البعض الآخر قد فشل فشلا ذريعا مما جعل سجونها و
معتقلاتها محاضن حقيقية لتفريخ الإجرام و الانحراف، و قد أحسن أولائك الأطفال
الجانحين الذيـن عبروا عن ذلك ترنمـا في لياليهم الكئيبة فرددوا:
"بالله يا سيدي الرئيس
يا حاكم بين النــاس
إصلاحية ما تربيـش
ما تخلف كان الاحباس.."
و لعل مقارنة بسيطة بين معدلات العود في مجتمعات مختلفة تؤكد ما نذهب إليه، كما أن
نسبة السجناء من تعداد السكان يمكن أن يبرز كذلك نجاح أو فشل الأنظمة التربوية و
الاجتماعية عموما و الأنظمة الإصلاحية السجنية خصوصا في تحقيق غاياتها. و لئن اهتدي
في كثير من الأنظمة و المجتمعات المتقدمة خصوصا إلى اعتبار العمل لفائدة الصالح
العام عقوبة أصلية فإنها تبقى مع ذلك مقتصرة على قليل من المخالفات البسيطة و على
المبتدئين، بل على بعضهم فقط... و في مجتمعات التخلف تصبح هذه العقوبة تخص بعض ذوي
الجاه و الثراء الذين لا "يليق" بهم و بسلالاتهم دخول السجون، حتى يكاد
المرء يتمنى إلغاءها و يدعو إليه. و هذا ديدن أنظمة القهر و الاستبداد التي تسعى
إلى تلميع صورتها بسن قوانين تؤكد على ما أصبح ضرورة إنسانية عالميا مثل: احترام
حقوق الإنسان و حقوق الطفل و حقوق المرأة و المحافظة على
البيئة... فتسنها مباهاة ومجاراة و اضطرارا لا اختيارا و إتباعا لا اقتناعا
و تقليدا لا إبداعا... لذلك نجد تلك القوانين في قطيعة تكاد تكون تامة مع الواقع،
إن لم تكن الممارسة الرسمية مكرسة لما ينافيها و يناقضها سرا و واقعا و إن رفعتها
جهرا و شعارا...
و مع ذلك فان العقوبة البديلة عن السجن تنقذ من تمتع بها من عملية تدمير آلي و
منهجي تبدأ بمجرد إيداعه السجن، لما في ذلك من ضياع لعمله أو دراسته وما ينجر عن
ذلك من بطالة و تهميش و فقدان مورد الرزق و خصاصة العائلة و تفككها، ودخول
عالم الإجرام و الانحراف من بابه الواسع، و لا يزيد طول مدة الإيقاف و الإيداع إلا
رسوخا و تمكنا في ميدان الجريمة...
و في غياب إحصائيات رسمية دقيقة عن نزلاء السجون التونسية ومستوياتهم التعليمية و
أعمارهم و حالاتهم المدنية و وظائفهم، يمكن القول الآن بناء على إقامة طويلة
بالسجون، أنها تضم بين أسوارها فئة واسعة من المهمشين من الشباب العاطل عن العمل
كما تضم نزرا من أصحاب الشهادات العليا، و تضم سوادا من المعوزين و الفقراء وقلة
من الأغنياء و الميسورين، كما تضم سكان المدن الأصليين و النازحين المقيمين في
الأحياء القصديرية و أحزمة الفقرو الضواحي الشعبية، و كذلك القرويين و أبناء الريف
القاطنين بمناطق الظل في شمال البلاد و جنوبها مرورا بوسطها، كما تضم حفنة من
أبناء الذوات و الجم الغفير من أبناء الشعب الكادح، كما تضم الفنانين و المثقفين و
الرياضيين و المسؤولين الحزبيين-المغضوب عليهم مؤقتا-و كذلك الرسميين...
و عرفنا السارق الذي أعوزته الحاجة، فسرق بعض الملابس من فوق حبل غسيل أو بعض
الأجهزة الالكترونية لا يتعدى ثمنها بضع عشرات من الدنانير، فحكم عليه بالسنوات
ذوات العدد سجنا، كما عرفنا من استولى على عشرات الملايين، بل على المئات، ولم
يدفعه إلى ذلك إلا حب الثراء السريع و الكسب السهل و حياة البذخ و الترف و
التفاخر، لكن "المشرع" و القاضي كانا ارحم به و ارأف
من ذلك المسكين الجائع ذي الخصاصة، و عرفنا الرياضي و ابن الرياضي، و الفنان و ابن
الفنان، و رجل الأعمال و ابن رجل الأعمال و المسؤول الحكومي و الفلاح الثري، و
عرفنا الطبيب و المحامي و الضابط السامي،و رجال التعليم في مختلف درجاته، و العالم
و الإمام و الطالب و التلميذ، و الشيخ الذي وهن العظم منه و بلغ من العمر عتيا و
كذلك الشاب اليافع الذي لم يصلب عوده بعد ولم يفقه معنى للحياة، كما عرفنا المبتدئ
و المعيد، والمجرم عرضا و المجرم حقيقة، وعرفنا ذا العيال و الشاب العزب و عرفنا
الأرمل و المفارق... و عرفنا الشهم و النذل، و عرفنا الشجاع و الجبان، و
الصابر المحتسب و الهلوع الجزع، و عزيز النفس و دنيئها، و طيب السريرة و
خبيثها....و أقمنا بالعزلة المغلظة سنوات و تجرعنا مرارتها كما ذقنا حلاوتها، كما
أقمنا بالغرف الجماعية و اطلعنا على نصيب وافر من المكائد التي يحيكها بعض
المساجين ضد البعض الآخر بإيعاز من الإدارة حينا و دونه أحيانا أخرى، كما اطلعنا
عن كثب على استغلال بعض المساجين للبعض الآخر فيسخرونهم لخدمتهم و خدمة نزواتهم
الخسيسة بعلم الإدارة غالبا و تحت أعينها...كما اطلعنا على بعضهم في محافل وأد
الحقيقة و رواج شهادة الزور... و اكتوينا بنار صراع النفوذ و الانشغال بسفاسف
الأمور و محقرات الأشياء و إهمال المصالح الحقيقية للمساجين..و عرفنا ضروبا من
التمييز: الجهوي و الفئوي...
و عرفنا من السجون خمسة عشر سجنا، منها سجون الإيقاف و سجون التنفيذ و سجون
التأديب، و منها... و عايشنا وراء القضبان تسعا من المديرين العامين، منهم السياسي
المحنك و ضباط سامون من الأمن و قضاة، و لعل أفضل فترة عرفتها السجون سواء بالنسبة
للسجناء أو السجانين هي فترة ذلك السياسي الذي عرف كراسي الحكم الوثيرة كما عرف
غياهب السجن و السيلونات و صقيعها و شيئا من
معاملة السجان للسجين[3]....كما أن أسوا فترة عرفها المساجين هي فترة ذلك الذي
تولى إدارة سجن العاصمة ثم كوفئ بتوليته الإشراف على الإدارة العامة إذ شهدت فترته
أفظع التجاوزات و أقذر الممارسات و أكثر المظالم بشاعة و أحط
المعاملات، و فيها أطلقت أيدي الضباط مديري السجون دون رقيب أو رادع على المساجين
تعنيفا و إذلالا و إهانة و تجويعا...
و عرفنا من المديرين سبعا و عشرين، تراوحت رتبهم بين و كيل أول وعقيد، ومنهم من
تدرج في السلم الوظيفي درجة درجة، فعرف الحراسة الليلية في ليالي الشتاء الباردة و
خالط المساجين وعرف بعضا من آمالهم و قليل القليل من آلامهم، و منهم من نال هذه
الرتبة بفضل شهادة البكالوريا و دراسته النظرية فظن انه استوعب علم الأولين و
الآخرين فادعى في العلم
فلسفة.... و عرفنا لوعة
الأم عند إيقاف ابنها، و لوعة الزوجة عند إيقاف زوجها، و اضطراب الأبناء عند إيقاف
أبيهم، و عرفنا الحيرة التي تحل بهم جميعا عند نزول هذا الأمر الجلل بهم، فكان لا
بد لهم من دليل يساعدهم في تلك الأيام العصيبة على تخطي هذه المحنة بأخف الأضرار و
مواجهتها بما تستحق من دراية و علم و حكمة.
و قد دفعنا إلى تحرير هذا الدليل ما صرح به لنا أكثر من واحد في "حوارات وراء
القضبان"، من أن التونسي عموما هو سجين في حالة سراح مؤقت، و إن كان المهتمون
بالشأن السياسي من ساسة و إعلاميين و نقابيين و حقوقيين و مثقفين و طلبة، و
بالخصوص الذين لا يسيرون في ركاب النظام القائم و يسرون أو يجاهرون بمعارضته،
يدركون جيدا أنهم فعلا في سراح وقتي و يمكن للنظام أن يزج بهم
في السجون في أي لحظة من ليل أو نهار، كما يدرك ذلك أيضا القائلون بالوفاق إن
فكروا في تجاوز الخطوط الوردية فحسب لا الخطوط الحمراء، و ما إيقاف بعض قادتهم من
سياسيين و نقابيين، و الحكم عليهم بتلك الأحكام، إلا تذكير لهم بوجوب ملازمة
اليقظة في سرهم وهمسهم و جهرهم، إن كان هؤلاء جميعا يدركون ذلك، فان وراء القضبان
من الوقائع الثابتة ما يدعم هذا الرأي، فهناك من وقع إيداعه السجن خطا أو غفلة أو
تهاونا أو كيدا و تأمرا و غير ذلك و في "القضاة ثلاثة..."
تفصيل ذلك لمن يريد الإطلاع على الوجه الآخر للصورة.
فكان دليلنا هذا موجها إلى العائلة إذا وقع إيقاف أحدا أفرادها، و إلى كل من يهمه
أمر عزيز أو قريب وقع في قبضة البوليس، كيف يتصرف؟ ماذا يفعل؟ إلى من يتوجه؟ كيف
يحافظ على حقوق هذا العزيز أو القريب أو الحبيب؟ ماذا يفعل لفرض احترام القانون و
لا يقع التلاعب به؟ كيف يساهم-كمواطن بسيط- في تشييد دولة القانون و المؤسسات
بعدما أصبحت شعارا يلاك للاستهلاك لا غير و تكرست في الواقع دولة الفرد و العائلة
و الحاشية و الصوت الواحد و اللون الواحد، و غاب القانون، بل صار لعبة في خدمة
أصحاب النفوذ يتسلون به حينا، و يشرعونه سيفا مسلولا يسلطونه على من يريدون، و متى
يشتهون.
فإن كان للمناضل دليله، و للطالب دليله، و للمسافر دليله، و للمستثمر دليله، و
للحاج أو المعتمر دليله كذلك، فلم لا يكون للسجين دليله و للعائلة التي تمر بهذه
المحنة دليل يساعدها على الخروج منها بأخف الأضرار؟
و جاء ما عرف بقانون الإرهاب في ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 2003 ،
تحديا سافرا لهذا الإعلان و بقية العهود و المواثيق الإنسانية، و دخل هذا القانون/
السلاح الخدمة ليعزز ترسانة الأسلحة/ القوانين المشهرة على رقاب الأحرار من
السياسيين و الحقوقيين و النقابيين و الإعلاميين، و في مدة وجيزة كثر ضحاياه، و قد
يتجاوز عدد الموقوفين بمقتضاه الألف من الشباب الطلابي و التلمذي و غيرهم حسب بعض
المصادر الجديرة بالثقة، و هو ما شحذ الهمة لإبراز هذا الدليل، فهو إن لم يساعد
على حفظ بعض الحقوق، فهو يكفل إقامة الدليل على انتهاك أبسط الحقوق و خرق أجلى
المبادئ القانونية و الحقوقية من قبل الساهرين على هذه القوانين...
و الســــــــلام
المرة القادمة: الإيقاف...
مع ترحيبي بكل الملاحظات و المقترحات...
عبدالله الزواري
الهاتف القار:0021675685300
[1] - كلمة نحتها الأستاذ منصف المرزوقي من كلمتين: الجمهورية و الملكية
ليطلقها على بعض الأنظمة العربية التي يتوارث فيها الحكم مع أنها تزعم أنها أنظمة
جمهورية.
[2] - يوجد في السجون الفرنسية( بما فيها تلك التي وراء البحار) 59786 يوم 01
جوان 2005 منهم 2129 امرأة، و من هذا العدد الجملي يوجد 38876 قد صدرت في حقهم
أحكام باتة و 20910 لا يزالون تحت أنظار القضاء بدرجاته المختلفة. وهو يقارب معدل
1000 سجين عن كل مليون فرنسي، أما عدد المساجين في بلادنا فهو سر من أسرار الدولة
لا يجوز التعرف عليه، و يقدره بعض الملاحظين بثلاثين ألف أو ما يقاربها، وهو
بالتالي يناهز ثلاث مرات معدل عدد السجناء عن كل مليون ساكن في فرنسا..
[3] - و قد روى لنا يوم 02 جويلية 1984 ( يوم تقلتنا من سجن الناظور إلى
سجن العاصمة و كان هو في استقبالنا) حادثة وقعت له في الجناح المضيق بسجن العاصمة،
إذ صفعه الحارس العامل هناك بعد أن أعاد عليه طلب عرضه على طبيب السجن عدة مرات، و
قد نسيها تماما، لكن الحارس لم ينس ما اقترفت يداه، بل سارع بكتابة استقالته بمجرد
أن عين السجين السابق مديرا لمصلحة السجون آنذاك...