وقعت
الواقعة في تونس *
10 أيام .. مطاردة ورصاص و قتلى
علي بوراوي
نشرت مجلة
المجتمع الكويتية واسعة الانتشار ،والتي تصل إلى 120 دولة و توزع ما لا يق عن 100
ألف نسخة أسبوعيا ، وفق الشركة السعودية للتوزيع ، في العدد 1735 يوم 21
ينايرالماضي مقالا لعلي بوراوي تحت عنوان " وقعت الواقعة في تونس .. 10 أيام
مطاردة ورصاص وقتلى "جاء فيه : وقعت
الواقعة في تونس.. معارضة جديدة تظهر إلى العلن لأوّل مرّة، فتنطق رصاصاً قاتلاً
في أحياء تعجّ بالنّاس والحياة، هذه المجموعة التي يجهل التونسيون إلى اليوم اسمها
وهويتها، ولم يسبق للمتابعين للشّأن السياسي ولا للمختصّين في التنظيمات السريّة
أن عرفوا أو حتّى سمعوا عن واحد من رموزها، تطلع إلى السّطح بلون الدّم ولغة
الرّصاص. لذلك، فوجئ الجميع بالأمر، فوقفوا مشدوهين يتابعون ما يجري، أو بالأحرى
يفكّون رموز الكلمات المعدودة التي نطق بها "مصدر حكومي" أو تمتمت بها
صحيفة قريبة من السّلطة. الحكومة اكتفت ببلاغ قصير أصدرته وزارة الدّاخلية يوم 24
ديسمبر، تحدّث عن "تبادل لإطلاق النار بين رجال الأمن وعصابة خطيرة تنشط في
تهريب المخدّرات، تمكّنت من تهريب كمية من السلاح بطريقة غير شرعية". وقال
البلاغ: إنّ الحادث أسفر عن مقتل اثنين من عناصر المجموعة، واعتقال عنصرين آخرين!
لكنّ النّاس فهموا أن الأمر خطير، عندما شاهدوا إنزالاً أمنياً مسلّحاً غير مسبوق،
شمل معظم أنحاء البلاد، وحواجز أمنية لا تحصى، غطّت شبكة الطّرقات، صحبتها عمليات
تفتيش دقيق للسيارات، وحملات تمشيط في العديد من المدن، واعتقالات في صفوف الشباب
المتديّن. وتواترت الأنباء عن مطاردة انتهت إلى مواجهة مسلّحة بين قوات الأمن
وعناصر مجموعة مسلّحة، استعملت فيها أسلحة مختلفة، وشاركت فيها عدة فرق أمنية
وعناصر من الجيش، استعان فيها الجانب الحكومي بمروحيات عسكرية. ثمّ جاء بلاغ وزارة
الداخلية الذي تحدّث عن مطاردة قوات الأمن ل"مجموعة إجرامية" انطلقت يوم
23 ديسمبر إثر تبادل لإطلاق النار، انتهت يوم الأربعاء 3 يناير بقتل 12 من أفراد
المجموعة، واعتقال 15 المتبقين". ولم يشر البلاغ بأيّ حرف إلى حقيقة المطاردة
التي امتدّت عشرة أيّام كاملة، بين مدينة حمام الأنف (15 كيلومتراً جنوب العاصمة)
وجبل الرصاص ومدينة سليمان (35 كيلومتراً جنوب العاصمة)، ولا عن دواعي الحضور
المسلّح للجيش ومختلف قوات الأمن، وكأنّ البلاد في حالة طوارئ غير معلنة، كما لم
تتحدّث الحكومة عن الخسائر البشرية في قوات الأمن والجيش.ورغم أنّ هذه الأحداث
فاجأت التونسيين، فإنّ المفاجأة كانت في التّوقيت والشّكل، وليس في ظهور الحالة
أصلاً، على خطورتها، فالعنف والجماعات المسلّحة أصبحت ظاهرة عالمية لا تعرف
الحدود، ولا تحدّ من انتشارها الإجراءات الأمنية المشدّدة، فكيف في بلد أوصدت فيه
منافذ الحوار، ومنعت فيه مختلف وسائل التعبير، وأدمنت سلطاته المعالجة البوليسية
مع مختلف التيارات وفي شتى القضايا. ورغم ذلك، ظلّت عدّة أسئلة مطروحة بإلحاح:
فكيف يتسنّى لمجموعة دينية معارضة أن تنجح في تهريب كمية مهمة من الأسلحة المختلفة
والمتطوّرة إلى البلاد؟ وكيف وصلت بها إلى ضواحي العاصمة دون أن تكشف الأجهزة
الأمنية حركة نقلها وتحرّكات عناصرها واتصالاتهم؟تبدو هذه الأسئلة ساذجة لمن لا
يعرف تونس، لكن الذين يعرفونها يلحّون في طرح أسئلة كثيرة من هذا القبيل؛ لأنّ
لأجهزة الأمن عيوناً لا تنام وتجهيزات لا تتعطّل، تحصي على الناس، كل الناس، كلّ
شاردة وواردة.. أجهزة ومعدّات ضخمة كلّفت ميزانية الدولة مئات الآلاف من
الدولارات، لرصد حركة الشّارع، وإحصاء أنفاس كلّ من يشكّ في ولائه للحزب الحاكم،
بل حتّى السياح العابرين، مع تركيز خاص ودقيق على من تشتمّ منه رائحة التديّن،
ومراقبة وتسجيل لجميع المكالمات الهاتفية وخطوط الاتصالات، حتّى أصبحت أجهزة
الهواتف النقالة بما اقتنته وزارة الداخلية من تكنولوجيا التنصت إلى ناقل لما يجري
حول حامليها ولو كانت مغلقة في عتمة ريف مهجور.تساؤلات كثيرة ملحّة تطرح عند
الحديث عن هذه المجموعة وأسلحتها، وأظنها ستبقى بدون جواب مقنع، إلاّ إذا اخترنا
أن نجعل من الصّدفة فاعلاً رئيساً في هذه الأحداث.أترك هذه الأسئلة، وأسئلة أخرى
كثيرة، إلى فرصة أخرى، لعلّ الأيام القادمة تأتينا بما يساعد على فكّ ألغازها. وأعود
إلى جانب آخر أعتبره أهمّ في فهم ما جرى، وهو يتعلّق بالأرضية السياسية والدينية
للبلاد التي أصبحت مواتية لظهور التطرّف الديني المسلّح، فقد حوّلت السياسات
الحكومية أرض تونس إلى مناخ جدّ مناسب لانتشار الفكر الديني المتشدّد والمغالي،
تضاف إلى ذلك رياح التكفير والعنف الأعمى التي هبّت بقوّة، واجتاحت مشرق الأرض
ومغربها، فكان طبيعياً أن تأخذ تونس حظّها من ذلك، ولقد تأخّر ظهور الجماعات
الإسلامية في تونس مقارنة بالدول الأخرى، لعمق تأثير جامع الزيتونة وإشعاع
رجالاته، وما نشروه من ثقافة دينية لا تعرف الغلوّ، ولا تفسح مجالاً لفقه الإقصاء
والتكفير، ثم لقوّة عود حركة النّهضة، في تنزيل التدين السّمح وإشاعة ثقافته في
صفوف المتعلّمين.
تهميش الدين
لقد نهج الحكم
في بلاد جامع الزّيتونة، ومنذ الأيام الأولى لخروج المستعمر الفرنسي من تونس،
سياسة تصرّ على تهميش الدين وتستفزّ علماءه، بل عموم المتديّنين، حتى أصبحت صفة
ملازمة ومميّزة له، في نظر العامة على الأقل، فقد عمد الرئيس بورقيبة منذ أن تولّى
الحكم، إلى إغلاق جامع الزيتونة، وإلغاء المحاكم الشرعية وكذلك الأوقاف وإلحاقها
بأملاك الدولة، وإقرار عدة قوانين وإجراءات تلغي دور الدين من الحياة الجماعية
للتونسيين، ثم جاءت دعوته في الستينيات إلى إفطار رمضان، وسخريته في منتصف
السبعينيات من القرآن، في محاضرة له بمعهد الصحافة، نقلها التلفزيون ومختلف وسائل
الإعلام، فزاد ذلك في تعميق الشرخ بين السلطة السياسية الحاكمة، والشارع الإسلامي
المتديّن، الذي كان في معظمه ومنذ البداية منحازاً إلى الشيخ الثعالبي وصالح بن
يوسف اللذين انقلب عليهما بورقيبة في قيادة الحركة الوطنية، السّياق العام الذي
تمّت فيه تلك الإجراءات لم يستوعبه نسق الاجتهاد الديني الشائع، ولا السلوك الديني
العام للسلطة الذي نهجته معظم الدول الإسلامية، لأنّه لم يتعامل مع الإسلام كعنصر
فاعل في هوية الدولة، وإنما كموروث تاريخي سلبي، يحسن التّخلّص منه والانفصال عنه.
ويمكن ملاحظة ذلك من خلال حضور الدين في حياة بورقيبة ورؤيته للدولة، وحتى من خلال
علاقته بالعالم الإسلامي لغة وثقافة وحضارةً وسلوكاً. فالمناسبة الوحيدة التي كان
يدخل فيها بورقيبة إلى المسجد، هي ذكرى المولد النبوي الشريف، وكان لا يذهب إلاّ
بعد انقضاء الصّلاة، حتّى لا يتورّط في سجود أو ركوع، ليلقي خطاباً، ثم يخرج كما
دخل بسرعة.. تلك الإجراءات التي تجاوزت حتّى ما أقدمت عليه (تركيا أتاتورك)،
وانفردت بها تونس دون غيرها من البلاد الإسلامية، عزّز فهم قطاع واسع من التونسيين
وغير التونسيين من المسلمين، بأن ذلك تمّ بخلفية احتقار الدين وإقصائه عن حياة
الناس.
نظام بن علي
وجاء نظام
الرئيس ابن علي ليرث علاقة متوتّرة بين الدولة من جهة، والدين والمتديّنين من جهة
أخرى، لم تزده طموحات المتعطّشين إلى السلطة في الداخل، والتطورات الدولية
المتسارعة في الخارج، إلاّ شحذاً لسكين كانت معدّة للإسلاميين بعناية، فانطلقت
الحملة على الصّحوة الإسلامية، تضرب بقسوة كلّ من يعترض طريقها، انطلقت بضرب حركة
النّهضة كتنظيم حركي وسياسي، ولم تسلم منها جماعة التبليغ وحزب التحرير، وحتى بعض
المجموعات الصوفية، وامتدّت إلى ملاحقة التدين الفردي ومحاسبة الناس عليه، وانتهت
إلى الضّرب بعنف لكلّ من يحمل نفساً معارضاً، بل كلّ متعلّق بالاستقلالية عن الحزب
الحاكم. وإذا كانت الحريات العامة هي المستهدف، فإنّ الحرية الدينية نالت الحظّ
الأوفر من الملاحقة والمصادرة، طيلة الستة عشر عاماً المنقضية.
مرسوم شاذ
فلئن صدر مرسوم
"منع الحجاب" منذ سنة 1982م، فإن السلطة كانت صارمة في مطالبة مسؤوليها
بتطبيقه في عهد الرئيس ابن علي. وقد بلغ الأمر بإدارة الجامعة الزيتونية في منتصف
التسعينيات، إلى منع عدد من الطالبات الجزائريات حتى من استلام وثائقهنّ الإدارية،
ليعدن إلى بلادهنّ دون اجتياز امتحانات آخر السنة، لأنّهنّ رفضن التخلي عن الحجاب،
ولم يستعدن وثائقهنّ إلاّ باللجوء إلى وزارة التعليم العالي الجزائرية، كما منع
تقديم أي درس أو محاضرة في المساجد إلآّ بترخيص مسبق لا يمنح إلاّ لعناصر الحزب
الحاكم، وأغلقت جميع المساجد والمصليات في مختلف الجامعات والمؤسسات التعليمية
والإدارية، وكان أوّل مسجد أغلق في هذه الحملة، مسجد الجامعة الزيتونية، الجامعة
الوحيدة المتخصّصة في العلوم الإسلامية. وأنشئ في مقابل ذلك نادٍ لسباحة الفتيات
في هذه الجامعة، تولّى تدشينه وزير الشؤون الدينية آنذاك الدكتور علي الشابي، وبلغ
الأمر إلى منع الصلاة جماعة حتّى على المساجين، وخصوصاً الإسلاميين منهم، فنال كلّ
من وجد منهم متلبّساً بجريمة الصلاة جماعة، حصّته الإضافية من التّعذيب، وتمّ
التنكيل بزوجاتهم وأبنائهم وكل من يهمّ حتى بتقديم المساعدة الإنسانية لهم، وقد
قضى رجل ستيني ثلاث سنوات في السجن عقاباً له على مساعدة أسرة سجين بخمسة دنانير
نقداً (نحو أربعة دولارات)، بل إن التضييق شمل حتى المتدينين من رجال الحزب
الحاكم، وتحضرني هنا حالة الشيخ محمد الشاذلي النيفر رحمه الله وهو الذي لم يغب عن
عضوية مجلس الأمة (مجلس النواب) نائباً عن الحزب الحاكم، منذ استقلال البلاد إلى
وفاته في نهاية التسعينيات، إلاّ مرّتين اثنتين فقط، فقد رغب الرجل في التبرع
بمكتبته الثرية جداً بالمخطوطات والمؤلفات، فاقتطع لها جانباً من مسكنه بحي
"منفلوري" بتونس العاصمة لتستقبل الباحثين، وسماها "المكتبة
الإسلامية"، فجاءه المنع بسبب الاسم الذي اختاره لها، ولم يرخّص له بفتحها
إلاّ بعد أن غيّر اسمها إلى "مكتبة آل النيفر"، وكانت صدمته الكبرى
عندما تمّ منع التدريس بجامع الزيتونة سنة 1990م، بعد استئنافه بسنة واحدة، وبذل
الرجل كلّ جهده رحمه الله لأن تعود الدروس إلى الجامع، إلى أن جاءه الموقف الرسمي
صارماً جازماً بألاّ مجال لذلك، وأنّ عليه أن يلزم بيته، وبقي يحمل غصّته إلى أن
اختاره الله إلى جواره.هذه ليست سوى عينات قليلة جداً مما عرفته ومازالت تعيشه
الحياة الدينية في تونس، والذي تفاعل بقوّة مع ما جرى ويجري في أفغانستان والعراق
وفلسطين، فماذا تراها تولّد في أنفس المتديّنين من أبناء البلاد؟ ألا تبذر هذه
السياسة المتطرّفة تطرّفاً دينياً يمكن أن يأتي على الأخضر واليابس، ويمكن أن
يتجاوز المصطلين بناره إلى أرض بعيدة لمجرّد السّماع به أو القراءة عنه؟إنّه بغضّ
النّظر عن الجهة التي تقف وراء المواجهة المسلّحة التي حصلت مؤخراً في تونس، فإنّ
كلّ المؤشرات تشير إلى أنّ المناخ مناسب لبروز تيار ديني عنيف، يكفر بالحوار،
ويكفّر الرّأي الآخر، ويتعبّد بزرع الموت وسفك الدّم، وقد قدّمت سلطات البلاد لهذا
التيار، من خلال سياستها للحقل الديني، كلّ ما يغذّيه ويقوّي عوده، وسيجد هذا
التيار بدون شكّ من يتلقّفه ويقدّم له مختلف أشكال الدّعم، سواء ممن يقاسمونه
الرؤية وطرق التفكير، أو من أجهزة الاستخبارات العالمية التي لا تتردّد في استخدام
هؤلاء لأغراض شتّى.المشكلة أنّ العقل السياسي المتنفّذ في تونس، عقل أمني، بالمعنى
البوليسي المتطرّف جداً للكلمة، يعتقد أنّ عصا الشرطي وبطشه، يكفي لتكميم الأفواه
وتكبيل الأيدي وشلّ إرادة التغيير لدى الناس، وقادر على صياغة واقع ورسم حياة،
ولكنّها حياة بطعم الدّم والرصاص الذي عاشته مدينتا سليمان وحمام الأنف، ليبقى
القاتل والمقتول، رجل الأمن المسكين، والمتمرّد المسلّح، ضحيتان لمأساة واحدة،
يحقّ فيها لكلا طرفي المواجهة الفضيحة، تلقّي العزاء .
* يمكن العودة
لمجلة المجتمع التي ستنشر قريبا بعون الله حوارا مع الشيخ راشد الغنوشي أجراه
عبدالباقي خليفة