إنقاذ
الوطن وإنقاذ الدولة
بعد
العهد الجديد هل يهدي بن علي لتونس عصراً جديداً؟
عـا
دل الزيتوني باحث تونسي
هل من سبب
موضوعي يبرّر القلق بخصوص مستقبل الإستقرار في تونس و إعلا منا الرّ سمي مشفوعا
بتصريحات للعد يد من مواطنينا بالمنفي!!! يدفع باتّجاه اللإ عتقاد أنّ تونس, بمنآ
عن الهزّات والسّقوط في دوّامة الفوضي؟ بل إنّ البعض ذهب به خياله الإستشرافي إلي
حدّ التّبشير بولادة التّاريخ للرّ ئيس الثّالث لتونس... بكلّ هدوء وفي أجواء جدّ
رومانسيّة محلّيّا و أمميّا.... فقدّ مت أسماء و صيغت سير ذاتيّة مد بّجة بألطف
صيغ التّبجيل, ولم يبق لهؤلاء سوي تشكيل وفد من الأعيان توكل له مهمّة الرّبط بين
قوي الإعتدال و "الجناح" الّليبرالي بالسّرايا . أطراف أخري من ساحة
العمل الجمعيّاتي والحزبي د عت للصّلح ولقاء الفرقاء، دافعة بالّتي هي أحسن.و بين
هذا وذاك يضيع آخرون في زحمة الفوضي العامّة للسّجون ومراكز الإيقاف التّونسيّة، و
يصاب العديد بالإحباط و اليأس فالإنطوائيّة.أمّا إعلامنا فهو جدير بدقيقة صمت
كونيّة.
قلنا منذ مدّة ونعيد القول هاهنا أنّ مسؤوليّة كلّ ما قد يعصف بالإستقرار في تونس
مشتركة بين جناح داخل الإدارة عاجز علي مواكبة ما يقتضيه تطوّر المجتمع القطري
والكوني من تغيير وشبه مجتمع أهلي مصاب بالخرف أو، يحكمه قانون المصالح الشّخصيّة
و هوس العصبيّات الحزبيّة والجهويّة و الهروب إلي الأمام ورفض قانون المحاسبة
والتّعامي علي مبدأ الشّفافيّة. لذلك كنّا وسنظلّ في قطيعة منهجيّة مع الّذين
تعاموا علي سبب الدّاء و شخصنوا أسباب الأزمة في تونس المبشّرون بمسيح الخلاص
الوطني...أساقفة قرطاج الجدد. العاملون علي تقديم أزمة الحقوق والحرّيّات في تونس
كمسألة ناجمة عن شخص الرّئيس بن علي أو أفراد أسرته أ والواعد ين بين سطور آياتهم
الإنتهازيّة باستعدادهم للتّنسيق مع رئيسهم الثّالث المنتظر تاركين بعيدا عن مجهر
التّساؤل والمساءلة " ..رجال القرار داخل المؤسّسات...و النّخب المريضة. فهل
أنّ مشهد مدينة "سيدي حسين" وكأنّها" سربرينيتشا" الخارجة
لتوّها من حرب إبادة، هي مسؤوليّة بن علي أم مسؤوليّة من ائتمنهم بن علي علي
الشّأن العامّ ولم يكونوا في مستوي الأمانة؟. في العام 1987أخرج الوزير الأوّل زين
العابدين بن علي، حقيقة أزمة الدّولة والمجتمع الأهلي من خانة المسكوت عنهi ، ملقيا بها في السّاحة العامّة. فكان
انخراط أغلب المواطنين في المضمون الصّريح لبيان 7 نوفمبر تلقا ئيّا لا يشوبه
تحفّظ..
كان الإطار المؤسّساتي الّذي سمح بعبور الوزير الأوّل آنذاك بن علي، إلي هرم
المسؤليّة في الدّولة دستوريّا صرف، و لم يكن محلّ احتراز أو انتقاد من طرف
المعارضات الموجودة علي السّاحة. فموضوعيّا لم يأت ين علي إلي مؤسّسة الرّئاسة من
خارج القواعد الدّستوريّة يبقي الإعتماد علي وحدات خاصّة من الأمن والجيش مسألة
لوجستيّة ودستوريّة ضروريّة لضمان عمليّة التّداول حتّي ولو تمّت في إطار انتخابي
صرف. بل ارتقي لرئا سة الدّولة من داخل أحد أهمّ مؤسّساتها المدنيّة (الحكومة) و
علي أساس قاعدة دستوريّة تنضّم و تضبط شروط التّداول.
إنّه و بالرّجوع إلي أولي الخطب الّتي توجّه بها بن علي بصفته رئيسا للدّولة (بيان
الإنقاذ) لعموم فئات الشّعب، نقف علي تشخيص ضافي و مفصّل للحالة الّتي مثّلها
" الحزب الإشتراكي الدّستوري". هذا الأخير وعلي إثر إزاحة
"رئيسه"لم يكن أحسن حالا من حزب الموريتاني ولد الطّايع، الجمهوري
الدّيموقراطي الإجتماعي. كان قوقعة فارغة. في السّابع من نوفمبر 1987سقطت الأ
قنعة، وصاربيّنا للعيان أنّ بورقيبة والبورقيبيّة ، كمّ هائل من الأوهام
والخرافات، وأنّ الجحافل الجرّارة من" المتحزّبين" أو ما يعرف ب "
البورقيبيّين" لا وجود لهم سوي داخل أذهان البسطاء .
قدم الرّئيس معلنا عهدا و كان من المنتظر والمأمول أن يفتح عهد بيان السّابع من
نوفمبر سجلّ المحاسبات لكلّ الّذين أساؤا لشعب تونس منذ تأسيس الدّولة. كنّا نأمل
أن يقع إصلاح الذّاكرة الوطنيّة المعطّلة، فتصبح الإدارة مسؤولة عن أخطائها
وتجاوزها لسلطتها أو لحدود دورها، أن تصير الكفاءة والوفاء للمصلحة العليا للوطن
هما الأساس للتّكليف بالشّأن العامّ. وأن يصير الدّفاع علي مصلحة المؤسّسّة
الوطنيّة عنوان وفاء لتونس، لا جريمة يلقي بمقترفها بالمنفي بعد أن تداس حقوقه
الإجتماعيّة.... وهو ما عشته شخصيّا وما عرفه عديد الشّرفاء في تونس اعتقدنا وأنّ
كثيرا من ملامح انحطاط الحقبة البورقيبيّة ستصبح مجرّد ذكري...ولم نكد نصدّق حتّي
أفقنا علي حقيقة بشعة...فبورقيبة.لم يدفن ...و "جنجويده " ينخرون هيكل
الدّولة.
ظلّت افتتاحيّتي صلاح الدّين معاوي لمّا كان مديرا لصحيفة "لابراس" و
الصّا درتان صبيحة ومساء السّابع من نوفمبر1987 والرّكن المتلفز "من توجيهات
الرّئيس" لرؤوف يعيش، من الدّرر الفريدة للضّحك والتّندّر حول حقيقة
المتخفّين وراء ستار التّحزّب البورقيبي. ولن تنسي الأجيال حكاية "
الحذاء" البورقيبي الّتي اقتبستها قريحة محمّد
الصّيّاح.".البريئةَ" علي ما يبدو من أحد أعمال الأدب العا لمي للأطفال:
حكاية " ّسندرلاّ". حقيقة هؤلاء ما جالت بخاطرنا إلاّ و ذكّرتنا بحقبة
تاريخيّة فرنسيّة إبّان نشأة آ لجمهوريّة الخامسة حيث اصطفّ وراء الجنرال ديغول
علي إثر سقوط نظام فيشي جلّ من كانوا تحت الجمهوريّة الرّابعة من أتباع الماريشال
بيتان. سقط نظام فيشي معزولا منبوذا مدحورا لسيّما في المخيال الجماعي الفرنسي .
فهو خيانة لما قدّمه الشّعب الفرنسي لصالح الإنسانيّة من تضحيات دفاعا علي قيم
التّسامح وحقوق الإنسان.ولم يشفع للمرشال بيتان انتصاراته العسكريّة فقدّم
للمحاكمة وصدر في شأنه حكما بالإعدام استعيض عنه بالسّجن المؤبّد
لم يكن لأيّ تشكيلة حزبيّة في تونس دور مباشر في تغيير هرم الدّولة سنة 1987. وما
كان الرّئيس بن علي ملزما بأيّ تحالف حزبيّ. كلمة النّظام كانت : الإنقاذ. إنقاذ
الوطن و إنقاذ الدّولة. تنادت بهكذا شعار آنذاك أصوات صادقة داعية الرّئيس لتأسيس
حزب التّغيير، أي حزب جديد، بريئ من ماضي الإشتراكي الدّستوري. ماضي كلّه انقلابات
1934، 1971، 1957 و إجرام ما سمّي بحرب الجلاء 1961، مجازر اليوسفيّين، 3 جانفي،
26 جانفي....إلخ. ماضي توفّر علي جميع شروط اختصاص المحاكم الدّوليّة في مادّة
الجرائم ضدّ الإنسانيّة. كانت خطوة تاريخيّة لا بدّ منها لكي يغلق نها ئيّا باب
الإنتكاس والعود علي البدء.
.بعد السّابع من نوفمبر سقط البعض ضحيّة مرض الكذب علي الذّات كحالة الدّالي
الجازي بعد طرده من اللإشتراكي الدّستوري ففسّروا دخولهم لما صار يدعي بالتّجمّع
الدّستوري الدّيموقراطي علي أنّه انخراط ب "حزب جديد" لا علاقة له با
الإشتراكي الدّستوري. في حين تجنّد أتباع الدّجل البورقيبي و مريديه عبر الجهات
حاملين لأعراب القري والأرياف والمدن الدّاخليّة خطابا مفاده أنّ تونس مقبلة علي
مرحلة جديدة نوعيّا...وأفقنا بعد أربع سنوات علي أقصي تقدير علي ثأر البورقيبيّين
لبورقيبة وإحداثهم للأنقلاب فريد من نوعه. بعد توضيفهم لأخطاء تياّر الإسلام
السّياسي زجّوا بالبلاد في حالة طواريء غيرمعلنة وعلّقوا العمل ببيان 7نوفمبر
والميثاق الوطني علي علاّته: تلك هي خصوصيّة انقلاب البورقيبيّين علي مشروع بن
علي. لقد كان دفع هؤلاء بانعدام الجدوي من السّير بالبلاد في اتّجاه القطيعة
الهادئة مع البورقيبيّة بفتح سجلّ المحاسبة والعقاب لمن أخطيء من ناحية وبناء حزب
رئاسي جديد في الرّسالة والمنهج من ناحية أخري كان ذلك أولي الحروب الباردة الّتي
شنّتها وكسبتها قوي الجذب إلي الخلف علي حساب مشروع " العهد الجديد".
إنّ أكبر الأخطاء الّتي يمكن رصدها خلال ولاية الرّئيس بن علي تتمثّل حسب اعتقادنا
وفهمنا للحالة التّونسيّة في الإعتماد بشكل أساسي علي رجال ونساء دولة مرتبطين
تاريخيّا ، مبدئيّا بل و عاطفيّا بشخص بورقيبة. لذلك تحوّل التّجمّع الدّستوري الدّيموقراطي
إلي صورة مشوّهة للحزب الإشتراكي الدّستوري. فمن وضع الحزب المهيمن الّذي من رحمه
تولد القرارات المصيريّة دخلت البلاد، مر حلة حزب الحكم أو لنقل حزب الدّولة..
.الّذي سيتعاظم حجمه بشكل غير مسبوق يذكّر ببعوضة المخرج "ستيفن
سبيلسبيرغ" الّتي قدّمت الحمض النّووي الأساسي لخلق الّديناصورات الغريبة
" في فيلم جوراسّيك بارك" ثمّ أدركت الحالة التّونسيّة قمّة تردّيها
بخروجها من حقية "حزب الدّولة" ودخولها المرحلة النّهائيّة مرحلة
"دولة الحزب" فوزير الدّاخليّة السّيّد رفيق الحاج قاسم ، بعد أن تقاتل
أبناء البلد الواحد وكانت تونس الجنوبيّة طيلة أسبوعين قطعة من لبنان السّبعينات
... شرح حقيقة هذا الخطب الجلل لا للمواطنات والمواطنين بصفته المسؤول الأوّل علي
أمنهم جميعا أيّا كانت اختلافاتهم وخلافاتهم مع برنامج ولون الفريق الحاكم...بل
لـــــــــــ"مناضلات ومناضليّ" الحزب المالك للدّولة" ومن بهو
مقرّه بتونس!!!. فرنسا والدّولة العبريّة من كبريات الدّيموقراطيّات الحديثة . طرح
علي الفريق الحاكم في كلتيهماـ سؤال حتّمته مقتضيات الإضطلاع بمسؤوليّة الدّولة،
حول العامل الأساسي والمحدّد لللإبقاء علي أوالبقاء داخل- هيئة حزبيّة تضطلع بمسؤليّة
الحكم. في الحالتين طرح السّؤال بخصوص حزبين حاكمين عريقين. التّجمّع من أجل
الجمهوريّة فرنسا من ناحبة و حزب الّليكود الدّولة العبريّة من ناحية أخري.
فبالنّسبة لفرنسا جاء الجواب في مؤتمر "البورجي" في خريف 2002 تجسيما
لإرادة قوي اليمبن الجمهوري بأطيافه وعائلاته المختلفة والّتي علي رأسها الحزب
الدّيغولي الّذي أسّسه الرّئيس شيراك التّجمّع من أجل الجمهوريّة لإنشاء حزب جديد
تنصهر بداخله الفعاليّات المؤسّسة كقوّة سياسيّة جديدة مؤهّلة للعب دور يمين
الوسط. كان إنجازا تاريخيّا تخلّت بموجبه عديد الزّعامات الحقيقيّة والمؤثّرة في
المشهد السّياسي الفرنسي علي أحزاب أسّستها، و منها علي سبيل المثال والذّكر، جاك
شيراك مؤسّس حزب التّجمّع من أجل الجمهوريّة الحاكم آنذاك] و آلان مادلان مؤ سّس
حزب الدّيمقراطيّة الّليبراليّة وقسم مهمّ من الحزب الدّيمقراطي المسيحي وأطياف أخري
لليمين الجمهوري..... هكذا ولد حزب جديد واعد بإعطاء نفس للحراك السّياسي في
فرنسا. كلمة النّظام للحزب الجديد " الإتّحاد من أجل حركة شعبيّة"
هي" الإنصات لمشاغل المواطنين والتّحرّك معهم ولفائدتهم". لم تكن قضيّة
الصّراع مع الدّيماغوجية الإشتراكيّة هي أساس هكذا تحوّل. إذ أنّ مجرّد تحالف
انتخابي ظرفي كان كافيا لإزاحة هؤلاء ديموقراطيّا لفائدة الحزب الدّيغولي. بل إنّ
ما أسّس لضرورة تجاوز هذا الّلفيف من القوي الدّيموقراطيّة الفرنسيّة لأشكالها
ومضامينها الحزبيّة التّاريخيّة هو إدراكها لدرجة من الحسّ الوطني والشّعور بالمسؤوليّة
جعلتها تتجاوز بكلّ أريحيّة ورحابة صدر" العلامات" الحزبيّة "
المسجّلة" خدمة للمصلحة العليا للوطن.
لذلك كان البرنامج السّياسي الّذي اجتمعت من حوله تلكم القوي مقدّما تحت عنوان
"عصرنة البلاد" .
جريدة (الزمان)
الدولية - العدد 2627 - التاريخ 24/2/2007