الدكتور المنصف المرزوقي  في حوار مع جريدة الموقف

 

لا حل للازمة السياسية في تونس إلا بتكوين جبهة

 

 أجرى الحديث: محمد الحمروني

 

ردة الفعل العربية على الجرائم الإسرائيلية دون المستوى ولا حل للازمة السياسية في تونس إلا بتكوين جبهة

استجلاء لمواقف عدد من القيادات السياسية التونسية بخصوص الأوضاع العربية والوطنية، تقوم جريدة الموقف ابتداء من هذا الأسبوع بمجموعة من الحوارات مع رموز وطنية من قيادات الأحزاب والجمعيات الوطنية. وضيفنا في هذه الحلقة الدكتور منصف المرزوقي رئيس حزب المؤتمر من اجل الجمهورية. ولان الوضع العربي في لبنان وفلسطين فرض نفسه على الساحة السياسية والإعلامية قررنا ان نبدا الحديث مع ضيفنا حول رأيه في ما يجري في الشرق الأوسط.

المحور العربي

• - لنبدأ من ردة فعل الشارع العربي والتونسي خصوصا على ما يجري في لبنان: كيف تقيمون ردة الفعل هذه ؟ وهل تعتبرونها في مستوى ما يرتكب من جرائم في الشرق الأوسط؟

طبعا لا . مستوى الرد الوحيد خاصة بعد جريمة قانا والجرائم الأخرى لإسرائيل في فلسطين ولبنان هو الإضراب العام المفتوح حتى خروج ممثلي الكيان الصهيوني من كل بلد يوجدون فيه إضافة إلى تنظيم الدعم الشعبي المادي لإخواننا على جبهة القتال ومقاطعة البضائع الأمريكية إلى أن تكف الإدارة الأمريكية عن مد إسرائيل بقنابلها الذكية.

• - لماذا برأيك لم تتحول حالة التعاطف الوجدانية مع لبنان وفلسطين إلى فعل في الواقع؟

حالة الشعوب وسلبيتها نتيجة تضافر شبكة معقدة من الأسباب منها تواتر الهزائم وحدة القمع وخيانة النخب واستشراء قيم الليبرالية المسمومة من استهلاك ومادية وخاصة غياب القيادات الكارزماتية مثل خالد الذكر الرئيس جمال عبد الناصر. لكن انتصارات المقاومة في فلسطيننا الحبيبة وفي لبنان البطولة بداية عودة الروح والثقة. إنني جد متفائل بالمستقبل ويخيل لي أننا قد بدأنا نخرج من النفق وإسرائيل والإدارة الأمريكية الحالية وعملائها المتسلطين العرب هم الذين بدؤوا رحلتهم فيه.

• - كيف يمكن تفعيل روح المقاومة والممانعة لدى الشارع العربي عموما والتونسي على وجه الخصوص؟

إنها مسألة وقت وتراكمات. وراءنا عقود من سيادة قيم الأوباش ( اخطى رأسي واضرب ، ارقد لهم في الخط ، اللي خاف نجا، بوس الكلب من فمه حتى تقضي حاجتك منه الح) وعلى صعيد الحكومة الغش والكذب والتزييف... متى نفهم أننا متخلفون اقتصاديا وسياسيا لأننا قبل كل شيء متخلفون أخلاقيا. نعم قيمنا من الدرجة الهابطة جدا إذا قارناها بالقيم التي تمارسها المجتمعات والدول في الغرب. من حسن الحظ إن صح التعبير أن الأمور تجاوزت كل الحدود وأن الرقاص يتجه الآن الوجهة الأخرى. عندي ثقة كبيرة في عودة قيم العروبة والإسلام من أنفة وكبرياء وشجاعة ومروءة واثرة وتضحية وصلابة في الدفاع عن الحق. عمر الفاروق لم يمت وكذلك صلاح الدين والمتنبي. سيفاجأ الأوباش والطغاة بحيوية هؤلاء الأموات. آنذاك لن يجدوا إلا قيم حقوق الإنسان للدفاع عنهم هم الذين عاشوا فوق وخارج كل القيم يجهلون ما معنى عبارة إنما الأمم - والأشخاص- بالأخلاق إن ذهبت أخلاقهم ذهبوا.

• - ما تقييمكم لدور النخب العربية في الأزمة الحالية ؟ وما هو تصوركم للدور الحقيقي الذي يجب أن تلعبه تلك النخب؟

تساءلوا لماذا يجمع العرب على احتقار زعمائهم... لأن ولا واحد من هؤلاء فهم أن الزعيم ليس من يعطي الأوامر وإنما من يعطي المثل. إنه نفس موقف الشارع من نخبه . لتتفضل هذه النخب بإعطاء المثل وليس بإعطاء التوجيهات هي الأخرى وآنذاك سيتعلق بها الشارع التونسي كما تعلق الشارع الفلسطيني بحماس والشارع اللبناني بحزب الله. ما هو قادم على الأبواب ثورة ثقافية وأخلاقية تتبعها ثورة سياسية.

المحور الوطني

• - ما هي قراءتكم للوضع السياسي في تونس بعد سنة عرفت حراكا سياسيا كبيرا كانت علامته الفارقة إضراب الجوع الجماعي؟

الوضع السياسي زاد انغلاقا وانسدادا والمعارضات إلى حد الآن لم ترتق إلى الحد الأدنى المطلوب.

• - ما موقفكم من هيئة 18 أكتوبر؟ وهل انتم مستعدون للانخراط فيها؟

"لا خطبونا لا عطيناهم "علما وأن المؤتمر ممثل في هذه الهيئة. لست ضدها ولا بأس أن تبقى كهيئة تنسيق بين مختلف الأطراف السياسية والحقوقية للعمل على القاسم المشترك. لكنها قطعا ليست الأداة التي تحتاجها البلاد الآن. فالموضوع الذي لم يعد يحتمل تأخيرا هو تكوين جبهة سياسية من الأحزاب والشخصيات السياسية - وترك المنظمات والشخصيات الحقوقية للعمل الحقوقي المستقل داخل منظماتها أو داخل هيئة 18 أكتوبر. هذه الجبهة يجب أن يكون لها برنامج حكم وبرنامج للوصول إليه وقيادة مشتركة وشخص يمثلها ويلعب الدور الذي لعبه مانديلا. آنذاك يستطيع الشعب أن يرى بأم عينيه البديل ويمكن تجنيده. أما الآن فعلى ماذا تريده أن يتحرك ؟

• وما الحل برأيك ؟

الحل فتح ثلاث جبهات ضد الدكتاتورية : الجبهة الحقوقية وتترك لشأنها ، الجبهة النقابية لأن مطالب الناس الأولى هي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ثم الجبهة السياسية ببرنامج حكم وبرنامج عمل وخاصة برية واضحة تقطع مع كل أصناف المهادنة أو أي صنف من أصناف اللعبة الانتخابية سنة 2009 لأنني أخشى كثيرا تكرر نفس السيناريو البائس ل2004. ومهمة هذه الجبهة كما أراها في كل مكان تنظيم صفوف المقاومة السلمية والديمقراطية لإنهاء الدكتاتورية وبناء الجمهورية والنظام الديمقراطي. ما عدا هذا دوران في نفس الحلقة المفرغة وانتظار الوريث الذي سيبدأ عهده السعيد بلا ظلم بعد اليوم وبقية الخزعبلات وآنذاك استعدوا لجولة جديدة من الدكتاتورية.

• طرحت مشاركة الإسلاميين في تحركات 18 أكتوبر ردود فعل تباينت بين الرفض و القبول الحذر : كيف تقرون العلاقة مع الإسلاميين في تونس على ضوء التطورات الأخيرة في العالم وفي المنطقة؟

تعلمون أنني كنت من أول وأشرس المدافعين عن الإسلاميين في بداية التسعينات لا حبا في الإسلاميين وإنما حبا في حقوق الإنسان ...وأنني كنت أول من نادى بحقهم في التنظم السياسي لا حبا في النهضة لكن حبا في الديمقراطية,وأن الرباعي بين المؤتمر والتكتل والتقدمي والعمل الشيوعي سنة 2001 انفجر لأنني طالبت بأن يكون الطرف الخامس هو النهضة (لا حسبانا لأصواتهم في انتخابات رئاسية يوما ما ولكن لتفعيل المعارضة). إذن النقاش في القضية لا يعنيني وهو نقاش بائس وديناصوري. هذا لا يمنع أن أقول رغم صداقات عميقة ومسيرة درب واحدة أنني اليوم في خلاف سياسي مع النهضة أرجو أن يكون مرحليا. فإستراتجية هذا الطرف الهام من المعارضة مبنية على مبالغة في المهادنة والانتظارية والوسطية والاعتدال وما إلى ذلك من الكلمات التي تخفي عدم إرادة طرح القضايا المصيرية. إن تعلقي بالعمل مع النهضة ناجم عن قناعة تكونت بعد تفكير طويل في المخارج الممكنة لهذا الشعب ولهذه الأمة وقد وصلت إلى نتيجة أنه لا مخرج لها من باب الإسلام المتشدد ولا من باب التغريب الخ وإنما الطريق السالك الوحيد هو لقاء في الوسط بين الديمقراطيين المعتدلين والإسلاميين المعتدلين ليشكلوا البديل الوحيد المقبول تاريخا للدكتاتوريات الفاسدة التي تلفظ أنفاسها. لكن كيف العمل إذا كانت النهضة التي تمثل هذا الإسلام المعتدل غير مستعدة لأن تساهم بثقلها المفترض في إعداد البديل بكل وضوح . فإما هناك تقية وهذا لا يقبل أو إحجام عن القيام بالمهمة التي تتطلبها وضعية البلد وهذا تقصير لا يقبل أيضا. يجب ألا تصبح النهضة بتعلة وضع السجناء والوضع الدولي قوة شد وجذب إلى الوراء وان تضغط لكي يبقى سطح المطالب في أدناه الأسفل. آنذاك ستصبح هي الأخرى ككثير من أطراف المعارضة جزءا من المشكل لا جزءا من الحل. يجب أن يفكر كل طرف لا من منطق ما الذي يتطلبه وضع حزبي ولكن ماذا يتطلبه وضع تونس. آنذاك الرد تنظيم جبهة المقاومة الديمقراطية والشروع في تحقيق برنامجها التحرري والتعامل مع موازين قوة ليست كما تدعي قوى المهادنة في صالح الدكتاتورية. قناعتي أن بقاء الدكتاتورية لليوم لا علاقة له بقوتها وإنما بضعفنا. آن الأوان لنخرج من هذا الضعف المهين وأن نحقق لتونس استقلالها الثاني.