نساء قاومن في صمت
من إبداعات الأجهزة الأمنية التونسية: عقوبة الطلاق

تحقيق لطفي حدوري

يعلم الجميع أنّ تونس تملك منظومة تشريعية متفوّقة على نظيراتها في المنطقة العربية في ما يخص تنظيم الأسرة. حصلت بها المرأة التونسية منذ إصدار مجلة الأحوال الشخصية في أوت 1956 على مكاسب قانونية على طريق جعلها متساوية مع الرجل، وكان أهمّها منع تعدد الزوجات واشتراط صحة الزواج بوثيقة رسمية يضبطها القانون ومنع التطليق وعدم صحّته إلاّ أمام القاضي.
أمّا ما يخفى فهو أنّ الطلاق بالإكراه أصبح منذ بداية التسعينات إبداعا من الأجهزة الأمنية التي استخدمت العلاقة الزوجية وسيلة ضغط على المعارضين من أجل تحطيمهم. قاد الجهاز الأمنيّ مرحلة سياسيّة منذ بداية التسعينات فصبغها بشعاراته وممارساته. وصنع الاستبداد أكثر الممارسات تخلّفا ووحشيّة حتى في ظلّ أفضل القوانين عصريّة وحداثة. لقد اختارت الأجهزة الأمنية أن تنفّذ عقوبة موازية على المساجين السياسيين، فكانت عقوبة الطلاق. وتحوّل الطلاق من إجراء قانونيّ خاص ينتهي إليه طرفا العلاقة الزوجية إلى عقوبة ترغب فيها الدولة وتُكره الزوجين عليها بعد أن كانت راعية ومنظّمة لتوافقهما الأسري.

احتفل حاتم زرّوق وزوجته التي انفصلت عنه في بداية التسعينات بخطوبتهما الجديدة ولم يمرّ على خروجه من السجن خمسة أيّام. أطلق سراحه مساء يوم 5 نوفمبر 2006 بموجب سراح شرطي فتوجّه إلى بيت مطلقته التي كانت تنتظره هي وأبناؤهما شعيب وبلقيس. كان حفل يوم 10 نوفمبر غير عاديّ مطلّقان يعلنان خطوبة رمزيّة قبل تجديد الزواج رسميا ويحتفلان باستعادة الحرية. كان ذلك انتصارا وتأكيد أنّهما أكرها على الافتراق وعلى الطلاق.
عاش حاتم زروق شخصا مجهولا طيلة 14 سنة قضاها في السرية في غرفة مظلمة بجوار مسكن زوجته. كان مطلوبا من فرقة أمن الدولة ثم حكم عليه غيابيا في المحكمة العسكرية صيف 1992 بـ12 سنة سجنا نافذة. نجا من قبضة الأجهزة الأمنية في وقت تردّدت فيه الأنباء عن بشاعة التعذيب وعن سقوط ضحايا وعن اتساع دائرة الحملة يوما بعد يوم.
لجأ حاتم زروق إلى حلّ كان يعتقد أنّه وقتيّ. فبنى لنفسه سجنا مضيّقا واحتمى به. وعندما زرته صبيحة أوّل يوم له خارج السجن عاينت معه بقايا ذكريات يومياته في الزنزانة الملجأ التي تحوّلت اليوم إلى جزء من مصنع للمرطبات، غرفة لا تتجاوز مساحتها مترين على ثلاثة أمتار تحتوي مكان سرير ومطبخ صغير ومرحاض. كان لهذا السجن الصغير نافذة تطلّ على حديقة المنزل طلاها من الداخل بالدهن إلاّ جزءا صغيرا في الأعلى يطلّ منه على حركة ولديه الصبيّين. ومكث في هذا السجن ثماني سنوات. أمّا في الجوار فكانت زوجته سهام النجّار فريسة لزوّار الليل والنهار من فرق البوليس السياسي كما يقع اقتيادها إلى مراكز الشرطة وتهديدها حتى تدلّ على مكان زوجها الفارّ من قبضتهم. وضاقت ذرعا بهم ووجدت نفسها وحيدة في مواجهتهم ولم يقنعهم النفي المتكرر لعلمها بمكان اختفائه أو توقّعها تسلله خارج البلاد. فتواطأت مع "سجينها" على الحلّ حتى تتوقف وتيرة الضغط عليها وحتى لا يضعف هو فيستسلم. بعد أشهر عديدة توجّهت إلى أقرب مركز شرطة تعلم باختفاء زوجها وإهماله عياله وتطلب حقّها في الطلاق. فقضت المحكمة بطلاقها. واطمأنّ بذلك البوليس السياسي فولّى وجهة أخرى للبحث. وسعدت هي بذلك الطلاق الذي أبقى على حرية زوجها في الجوار وأبعد كابوس زوّار الليل واستنطاقات النهار.
وطيلة ست سنوات لم يكن شعيب ولا بلقيس يدركان حرمانهما من أبيهما الموجود في الجوار. أعلمتهما أمّهما أوّل الأمر أنّه سافر إلى فرنسا للعمل. ثم أخبرتهما سنوات بعد ذلك بعودته المرتقبة وحذّرتهما من نشر الخبر فأبوهما مطلوب للسجن. وبعد "اختبارات أمنيّة" في الكتمان وجدا حضن والدهما. فدخلا معه حياة السرية حينا بعد آخر إلى أن سلم نفسه للمحكمة في جانفي 2005.
خاضت سهام النجار وابنتها بلقيس إضرابا عن الطعام خلال قمة مجتمع المعلومات المنعقدة في تونس في نوفمبر 2005. وشاركت في اعتصام مع عائلات المساجين السياسيّين في نوفمبر 2006. ولم يكن أحد من المدافعين والمساندين لها يدري أنّ هذه المرأة تتحدّث عن طليقها وأنّها تريد أن تضع حدّا لما أكرهت عليه.


النجاة من الملاحقة باللجوء إلى الطلاق
جاء في شهادة للسجين السياسي الطاهر الحراثي (1) أنّ زوجته اختارت الطلاق لينجو أطفالها من وطأة الملاحقات الأمنية المسلطة عليها. والطريف في هذه الحالة أنّ المطلّقة بقيت في كفالة عائلة زوجها.
في أوّل الأمر طردت "أمّ عبد الرحمان" من وظيفتها كمدرسة ابتدائي سنة 1991 بعد إيقاف زوجها وإيداعه السجن فالتحقت بعائلتها في سليانة فلحقهم أذى البوليس السياسي ووضعوا تحت المراقبة الأمنيّة وحرم والدها العجوز من منحة اجتماعية كان يتقاضاها. فاختارت أن ترحل نحو شقيقة زوجها في العاصمة تونس سنة 1996 وما إن وصلت حتى كان أعوان مركز ضاحية المروج في انتظارها، وفي مقرهم وجهوا لها توبيخا على عدم الإعلام بتنقلاتها. وكان "الدرس البوليسيّ" المعتاد أنّها تشقى بهذا الزوج وأنّه جنى عليها وأنّ الانفصال عنه أفضل لاجتناب تبعات تجربته السياسية والسجنية. فانحنت في وجه العاصفة وزارته في سجن "برج الرومي" في مكتب مدير السجن رفقة المحامي وأسرّت له بمرارة بأن يقبل الطلاق المؤقّت.
أطلق سراح الطاهر الحراثي بموجب سراح شرطيّ في 25 فيفري 2006 فسارع إلى استعادة زوجته. وعلى هذا النحو فعل خالد الكوّاش الذي أعاد زوجته مميّة المطلّقة قهرا أسبوعين بعد إطلاق سراحه في فيفري 2006. كما أنّ عبد اللطيف الوسلاتي الذي غادر السجن في نفس التاريخ قد أعاد زوجته أيضا بعد خروجه من السجن.
ومن المآسي الواقعة في هذا السياق أن يُضرب سجين سياسي لا من أجل إطلاق سراحه أو مطالبة بحقوقه بل حتى تكفّ الأجهزة الأمنيّة عن الضغط على زوجته من أجل الطلاق. ففي سنة 1994 خاض السجين السياسي محمود البلطي إضرابا وحشيا عن الطعام 15 يوما احتجاجا على الضغوطات المسلطة على زوجته من قبل فرقة الإرشاد بجندوبة حتى تطلّق.
ويروي أحد المساجين السياسيّين في شهادة منشورة بكتاب مأساة المساجين السياسيين (1) أنّ "فرقة الإرشاد بجندوبة قد قامت بضغوطات كبيرة على زوجات المساجين السياسيّين حتى يرفعن قضايا في الطلاق ومنهنّ زوجة محمود البلطي وعبد اللطيف الوسلاتي وكمال العطافي وتم تهديدهن بأن تلفّق لهنّ قضايا وتدخلن السجن ورضخت بعضهن. ولكن مع طول إجراءات التقاضي سحبن دعاوى الطلاق. فمنعن من الزيارة لأسابيع."
ويضيف السجين السياسي رضا البوكادي المحكوم بالمؤبّد (خفض بعد ذلك إلى 30 سنة) في نفس السياق أنّ زوجته "اعتقلت سنة 1991 وجلبت إلى محلات أمن الدولة حيث عذّبت بالتعليق بعد أن جردت من ملابسها وضربت على الأماكن الحساسة من بدنها مع التهديد باغتصابها، وطيلة الفترة الممتدة من نوفمبر 1991 إلى سبتمبر 1996 (تاريخ تسليمه من قبل السلطات الليبية) تعرضت للتعذيب وصنوف الإهانات وضغوطات عديدة لإجبارها على طلب الطلاق" وبالفعل تم الطلاق بعد ذلك.
وتطول قائمة من أكرهن على الطلاق وذلك شأن زوجات المساجين السياسيّين كمال بسباس وفرج الجامي ومعتوق العير ومحمد العيادي وحسونة النايلي وجلال مزغيش وحبيب اللوز...

ضحايا التعذيب والاضطرار التراجيدي للطلاق
أمّا الحالة الأشدّ قسوة من سابقاتها وكان لها مآل حزين والقصّة المثيرة للألم فقد فكانت بحق نتاجا لممارسة التعذيب الجسدي، قصّة زوجين من ضحايا التعذيب تفككت الرابطة الأسرية بينهما. فلئن أنهى حاتم زروق والطاهر الحراثي وخالد الكواش وعبد اللطيف الوسلاتي الانفصال القسري فإنّ طلاق "ن" زوجة السجين السياسي فيصل ڤربع كان دون رجعة. لم تكفّ عنها الملاحقات والضغوط حتى انفصلت قضائيا عن زوجها السجين. وبعد سنوات اختارت زوجا آخر فيما دخل فيصل قربع في عزلة عن الناس بعد خروجه من السجن وأغلق باب غرفته على نفسه ورفض دعوات ملحّة من أصدقائه في أن يخرج إلى الناس وأن يعالج تبعات الانهيار العصبي المصاب به والاضطرابات النفسية.
أوقف فيصل قربع مع مجموعة من الأشخاص المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة المحظورة في أكتوبر 1991 بمنطقة الحرس بنابل وكانت زوجته "ن" من بين الموقوفين. خضع جميع الموقوفين لحصص تعذيب وحشي وكان محدثي الذي تحفّظ على ذكر اسمه شاهدا على ما حدث في تلك الأيّام فقال إنّها كانت أيّام رعب وخوف هائل. وأنّ جميع الموقوفين وعددهم يناهز 90 فردا كانوا شهودا على وفاة شخصين تحت التعذيب هما رشيد الشماخي وفيصل بركات(2). كما ذكر أنّ جلاّديهم تركوهم طيلة أسبوعين عراة إلاّ من ملابسهم الداخلية.
وفي هذه الظروف كانت السيدة "ن" موقوفة أمّا زوجها فيصل فقد صمد تحت التعذيب فاستخدموا ضدّهما وسيلة أبشع. وفي محاولة أولى للضغط على فيصل نفسيا جلبت زوجته إلى قاعة التحقيق ووقع تعريتها أمامه كما تعمّد أحد الأعوان إهانتها أمامه. وفي مشهد بشع لاحق ألقي فيصل ڤربع على الأرض في وضع شذوذ مع موقوف آخر من نفس المجموعة وتعمّد المحقّقون إدخال السيدة "ن" عليهما لتصاب بذهول ويدخل هو في انهيار عصبي تحوّل تدريجيا إلى اختلال عقلي وانعزال.
لم تتم إحالة "ن" على القضاء وأخلي سبيلها ولكن واصل موظفو مركز الحرس ملاحقتها بعد إطلاق سراحها حتى طلقت. وقد انجلى الكابوس عنها فجأة دون رجعة ولكن بعد طلاقها وزواجها الجديد.

نساء قاومن في صمت
كانت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات أوج الصراع بين الحركة الإسلامية والدولة في تونس. بعد أن حصل الحزب الحاكم على جميع مقاعد البرلمان في انتخابات أفريل 1989 التي نافسته عليها بشكل قوي في الحملة الانتخابية القائمات المستقلة المدعومة من حركة "النهضة" الإسلامية المحظورة وظهرت خلالها هذه الحركة في شكل استعراضي. اُتّخذ قرار التصفية لهذا المنافس وتجفيف منابع كل منافس آخر محتمل. فانطلقت حملة الاعتقالات مع نهاية سنة 1990 وتواصلت بشراسة حتى منتصف التسعينات. كان الاحتجاز غير القانوني والتعذيب وحتى الموت والأحكام الثقيلة بالسجن وفرار المعارضين خارج البلاد ودخول آخرين للسرية عنوان تلك الفترة. ولكنّها لم تكن معركة مع طرف سياسي فقط بل تعدته إلى المجتمع بأسره.
وهكذا وجدت مئات النساء التونسيّات من زوجات وأمّهات أنفسهنّ في مواجهة قمع الدولة. لم يكن ذلك اختيارا منهنّ، وما كان معظمهنّ يتوقع ذلك. لقد دفعن ضريبة انخراط الأزواج والأبناء في العمل السياسي، فخضن تجربة مريرة بين أماكن الاحتجاز ومكاتب أجهزة الأمن وتوابعها مرورا بالمحاكم في مختلف أطوارها. وبمرور الوقت صارت حركة عائلات المساجين السياسيّين وبالذات النساء عملا نضاليّا يقاوم الإبعاد والتجويع ويعيد الأمل إلى المحبوسين. لم يفت هذا الأمر عبقرية الاستبداد فواجهه بحزم وفي الصميم.

لاشكّ أنّ الحلقة الأضعف في هذه المعركة والتي كان يسهل اضطهادها وكان من الصعب نجاتها هي المرأة. فواجهت مصيرها في صمت وقاومت بألم وجلد كبيرين... نساءٌ وقع إهانتهنّ وتعذيبهنّ وحتى سجنهنّ. وصار الطلاق بالإكراه أحد وسائل القمع.
كشفت هذه الحالات أنّ الطلاق بالإكراه كان يعني أنّ شهيّة الانتقام لم تشبع لدى الدولة فكانت تريد أن يكون هناك دائما خصم تهزمه فلم تجد غير النساء بعد إضعاف السجين السياسي وقطع الروابط العائلية وحرمانه من السند المادي والنفسي. لقد وقع بث الرعب في المحيط الأسري ثم المجتمعي للسجين السياسي وتحوّل القمع إلى استعراض للقوّة أمام المجتمع كلّه. وهذا ما يحدث عادة في معركة سياسيّة تحسمها الأجهزة الأمنيّة.

 

 

المصدر: مجلة كلمة الالكترونية
-------------------------------
1- " مأساة المساجين السياسيين في تونس"- باريس 2003 –
Solidarité tunisienne
2- أنظر تقرير المجلس الوطني للحريات المحاكمة المنعرج 2002 ، ص 31